محمد الريشهري

2158

ميزان الحكمة

سقوط آثار الحياة من شئ محفوظ - وحياة هي تجدد تلك الآثار بعد سقوطها ، وقد تحقق الإحياء في الأرض والنبات ، وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلها ، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال - وهو الأرض والنبات - فليجز في البعض الآخر ( 1 ) . وقال في قوله تعالى : * ( فأحيينا به الأرض بعد موتها ) * : وأنبتنا فيها نباتا بعد ما لم تكن ، ونسبة الإحياء إلى الأرض وإن كانت مجازية لكن نسبته إلى النبات حقيقية ، وأعمال النبات من التغذية والنمو وتوليد المثل وما يتعلق بذلك أعمال حيوية تنبعث من أصل الحياة . ولذلك شبه البعث وإحياء الأموات بعد موتهم بإحياء الأرض بعد موتها ، أي إنبات النبات بعد توقفه عن العمل وركوده في الشتاء ، فقال : * ( كذلك النشور ) * ، أي البعث ، فالنشور بسط الأموات يوم القيامة بعد إحيائهم وإخراجهم من القبور ( 2 ) . [ 2972 ] الدليل الخامس لاثبات المعاد الكتاب * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير ) * ( 3 ) . * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا ) * ( 4 ) . ( انظر ) يس 81 . التفسير : قوله تعالى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم . . . ) * إلى آخر الآية ، احتجاج منه تعالى على البعث بعد الموت ، فقد كان قولهم : * ( أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ) * استبعادا مبنيا على إحالة أن يعود هذا البدن الدنيوي - بعد تلاشيه وصيرورته عظاما ورفاتا - إلى ما كان عليه بخلق جديد ، فاحتج عليهم بأن خلق البدن أولا يثبت القدرة عليه وعلى مثله الذي هو الخلق الجديد للبعث ، فحكم الأمثال واحد . فالمماثلة إنما هي من جهة مقايسة البدن الجديد من البدن الأول مع قطع النظر عن النفس التي هي الحافظة لوحدة الإنسان وشخصيته ، ولا ينافي ذلك كون الإنسان الأخروي عين الإنسان الدنيوي لا مثله ، لأن ملاك الوحدة والشخصية هي النفس الإنسانية ، وهي محفوظة عند الله سبحانه غير باطلة ولا معدومة ، وإذا تعلقت بالبدن المخلوق جديدا كان هو الإنسان الدنيوي ، كما أن الإنسان في الدنيا واحد شخصي باق على وحدته الشخصية مع تغير البدن بجميع أجزائه حينا بعد حين .

--> ( 1 ) تفسير الميزان : 16 / 203 و 17 / 21 . ( 2 ) تفسير الميزان : 16 / 203 و 17 / 21 . ( 3 ) الأحقاف : 33 . ( 4 ) الإسراء : 99 .